فقه دولت سازی

اخبار و مطالب مربوط به فقه دولت سازی اسلامی

فقه دولت سازی

اخبار و مطالب مربوط به فقه دولت سازی اسلامی

فقه دولت سازی

صفحه ای صرفا برای گردآوری مطالب مربوط به فقه دولت سازی اسلامی بدون تایید و یا رد محتوای مطالب.
این صفحه از سلسله صفحات اینترنتی وابسته به "موسسه معارف و اندیشه تمدنی اسلام" می باشد.
/اندیشه تمدنی اسلام/

بایگانی

معرفی کتاب: من فقه الدولة فی الإسلام

شنبه, ۹ دی ۱۳۹۶، ۰۱:۰۶ ب.ظ
ضمن الدکتور یوسف القرضاوی کتابه «من فقه الدولة فی الإسلام مکانتها.. معالمها.. طبیعتها.. موقفها من الدیمقراطیة والتعددیة والمرأة وغیر المسلمین» الصادر عن دار الشروق فی القاهرة - الطبعة السادسة سنة 2009- فصولا فی فقه الدولة فی الإسلام، وهو فقه قصر فیه المسلمون کثیرا فی الأزمنة الأخیرة کما قال المؤلف، ولم یعطوه حقه من البحث والاجتهاد، کما أعطوا مجالات الفقه الأخرى، التی توسعت وتضخمت وخصوصا فقه العبادات.
وذکر المؤلف بشکوى الإمام ابن القیم فی عصره [القرن الثامن الهجری ] من جمود فقهاء زمنه، حتى إنهم اضطروا أمراء عصرهم إلى أن یستحدثوا [قوانین سیاسیة] بمعزل عن الشرع، وحمل ابن القیم الفقهاء الجامدین تبعة انحراف الأمراء والحکام، وشرودهم عن منهج الشریعة السمحة، وربما یعتبر هذا أول تسلل للقوانین الوضعیة لتحل محل أحکام الشریعة الإسلامیة.
وأضاف المؤلف أن هؤلاء الجامدین من أهل الفقه ما زال لهم أخلاف فی عصرنا، یعیشون فی القرن الخامس عشر الهجری، ولکنهم یفکرون بعقول علماء ماتوا من قرون، وقد تغیر کل شیء تقریبا فی الحیاة عما کان علیه الحال فی عهود أولئک العلماء. ونسى هؤلاء أن الإمام الشافعی غیر مذهبه فی مدة وجیزة، فکان له مذهب جدید، ومذهب قدیم، وأن أصحاب أبی حنیفة خالفوه فی أکثر من ثلث المذهب، لاختلاف عصرهم عن عصره، وقالوا: لو رأى صاحبنا ما رأینا، لقال بمثل ما قلنا أو أکثر.. والإمام أحمد تروى عنه فی المسألة الواحدة روایات قد تبلغ سبعا، أو أکثر وما ذلک إلا لاختلاف الأحوال والملابسات، وتغیر الظروف والأوضاع فی غالب الأحیان.
وهذا الکتاب تعبیر عن فقه الدولة فی الإسلام: ما مکانتها؟ ما حکم إقامتها؟ وما معالمها الممیزة لها؟ وما طبیعتها؟ أهی دولة مدنیة ملتزمة بالإسلام أو دولة ثیوقراطیة دینیة کهنوتیة؟ وکیف نرد على من یزعمون أنها دولة دینیة تحکم بالحق الإلهی؟ وما موقفها من التعددیة والدیمقراطیة ومن المرأة، ومن غیر المسلمین؟ وهل یجوز لأی جماعة إسلامیة أن تشارک فی الحکم فی دولة علمانیة؟ إلى آخر هذه القضایا الحساسة والمهمة.
وبهذا یکون الکتاب إضاءة لهذه القضیة الکبرى، وردا على بعض الشبهات المثارة، وبیانا للموقف الوسط بین الجامدین والجاحدین..
مکانة الدولة فی الإسلام
أشار المؤلف فی البدایة إلى تأثیر الاستعمار الغربی الذی حکم دیار المسلمین، حیث استطاع أن یغرس فی عقول بعض الناس فکرة غریبة خبیثة، مؤداها: أن الإسلام دین لا دولة. [دین] بالمفهوم الغربی لکلمة [الدین]، أما شئون الدولة فلا صلة له بها. وإنما ینظمها [العقل الإنسانی] وحده وفقا لتجاربه وظروفه المتطورة.
لقد أرادوا أن یطبقوا على الإسلام فی الشرق، ما طبق على المسیحیة فی الغرب. فکما أن النهضة هناک لم تتم إلا بعد التحرر من سلطان الدین، فکذلک یجب أن تقوم النهضة فی شرقنا العربی الإسلامی على أنقاض الدین.
مع أن الدین هناک معناه: الکنیسة وسلطة البابا، واستبداد رجال الکهنوت بالضمائر والأرواح. فأین هذا من الدین هنا، ولیس فیه بابا ولا کهنوت ولا استبداد بالضمائر والأرواح؟
ویضیف المؤلف: "على کل حال، لقد نجح الاستعمار فی خلق فئات تؤمن بأن الدین لا مکان له فی توجیه الدولة وتنظیمها، وأن الدین شیء والسیاسة شیء آخر، وأن هذا یجری على الإسلام کما جرى على المسیحیة. وکان من الشعارات المضللة التی شاعت: أن «الدین لله والوطن للجمیع». وهی کلمة حق یراد بها باطل، ویمکن أن تقلب على کل الوجوه، فنستطیع أن نقول: إن الدین لله والوطن لله، أو: الدین للجمیع والوطن للجمیع، أو: الدین للجمیع والوطن لله.
وإنما مرادهم بکلمة «الدین لله» أن الدین مجرد علاقة بین ضمیر الإنسان وربه، ولا مکان له فی نظام الحیاة والمجتمع.
وکان أبرز مثل عملی لذلک هو «الدولة العلمانیة» التی أقامها کمال أتاتورک فی ترکیا، وفرضها بالحدید والنار على مجموع الشعب الترکی المسلم، بعد تحطیم الخلافة العثمانیة: آخر حصن سیاسی بقی للإسلام بعد صراع القرون، مع الصلیبیة والیهودیة العالمیة.
وقد أخذت الحکومات فی البلاد الإسلامیة الأخرى تقلد ترکیا الجدیدة، على درجات متفاوتة، فأقصی الإسلام عن الحکم والتشریع فی الأمور الجنائیة والمدنیة ونحوها، وبقی محصورا فی ما سمی «الأحوال الشخصیة» کما أقصی عن التوجیه والتأثیر فی الحیاة الثقافیة والتربویة والاجتماعیة إلا فی حدود ضئیلة. وفسح المجال، کل المجال للتوجیه الغربی والثقافة الغربیة والتقالید الغربیة.
وکان من أبرز المظاهر لنجاح الغزو الثقافی الغربی: أن «الفکر العلمانی» الدخیل الذی ینادی بفصل الدین عن الدولة، لم یقف عند الرجال «المدنیین» وحدهم، بل تعداهم إلى بعض الذین درسوا دراسة دینیة فی معهد إسلامی عریق کالأزهر، کما تجلى ذلک فی کتاب الشیخ عبد الرزاق «الإسلام وأصول الحکم».
ومن الإنصاف أن نقول: إن هذا الکتاب قد أحدث ضجة هائلة حین صدوره، فی المجتمع عامة، وفی الأزهر خاصة، وقد شکلت هیئة من کبار علماء الأزهر لمحاکمة مؤلفه، فقضت بتجریده من شهادة العالمیة، وإخراجه من زمرة العلماء، کما رد علیه کثیر من العلماء والمفکرین، أزهریین وغیر أزهریین.
کان لا بد إذن من تأکید الوقوف فی وجه العلمانیة ودعاتها ومبرریها، بتأکید شمول الإسلام، وإبراز هذا الجانب الحی من أحکامه وتعالیمه: جانب الدولة، وتنظیمها وتوجیهها بأحکامه وآدابه. وإعلان أن ذلک جزء لا یتجزأ من نظام الإسلام، الذی امتاز بشموله للزمان والمکان والإنسان، ونزل کتابه تبیانا لکل شیء، کما قال تعالى: }ونزلنا علیک الکتاب تبیانا لکل شیء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمین{ [النحل: 89]، وقدم المؤلف الدلیل من نصوص الإسلام ومن تاریخه ومن طبیعته على هذه الحقیقة.
معالم الدولة التی یبنیها الإسلام
أکد المؤلف أن الإسلام کما یسعى إلى بناء الفرد الصالح، والأسرة الصالحة، والمجتمع الصالح.. یسعى کذلک إلى بناء الدولة الصالحة.
والدولة فی الإسلام لیست صورة من الدول التی عرفها العالم قبل الإسلام أو بعده، إنها دولة متمیزة عن وکل ما سواها من الدول، بأهدافها ومناهجها ومقوماتها وخصائصها.
فهی دولة مدنیة مرجعها الإسلام، وهی دولة عالمیة لأن لها رسالة عالمیة، إنها دولة فکرة وعقیدة، تذوب فیها فوارق الأجناس والأوطان، والألسن، والألوان، حیث یوحد بین أبنائها الإیمان بإله واحد، ورسول واحد وکتاب واحد، ویجمع بینهم قبلة واحدة، وشعائر واحدة، وشریعة واحدة، وآداب واحدة، وبهذا تتکون منهم [أمة واحدة] تقوم على [توحید الکلمة] المنبثق من [کلمة التوحید].
والدولة الإسلامیة دولة شرعیة دستوریة کذلک. لها دستور تحتکم إلیه، وقانون ترجع إلیه، ودستورها یتمثل فی المبادئ والأحکام الشرعیة التی جاء بها القرآن الکریم وبینتها السنة النبویة فی العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات، والعلاقات: شخصیة ومدنیة، وجنائیة وإداریة ودستوریة ودولیة. وهی لیست مخیرة فی الالتزام بهذا الدستور أو القانون، فهذا مقتضى إسلامها ودلیل إیمانها. وهی کذلک دولة شوریة لا کسرویة ولا قیصریة، وهی دولة هدایة لا جبایة، ودولة لحمایة الضعفاء، لا لحمایة مصالح الأقویاء، فهی تفرض الزکاة وتأخذها من الأغنیاء لتردها على الفقراء، کما تفرض فی موارد الدولة الأخرى، کالفئ وغیره، نصیبا مؤکدا للیتامى والمساکین وأبناء السبیل: }کی لا یکون دولة بین الأغنیاء منکم{ [سورة الحشر: 7]. وقال الخلیفة الأول فی خطبته الأولى: ألا إن القوی فیکم هو الضعیف عندی حتى آخذ الحق منه، والضعیف فیکم هو القوی عندی حتى آخذ الحق له.
یقول المؤلف: "ولا نجد دینا کالإسلام، وعى حقوق الضعفاء، وعمل على حمایتهم من ظلم الأقویاء دون أن یطالبوا هم بشیء من ذلک، بل دون أن یحسبوا أن لهم حقا لدى غیرهم، فقد توارثوا الجور وهضم الحق، حتى أصبح هو الأصل والقاعدة فی نظام المجتمع.
فلما جاء الإسلام أرشد الناس إلى العدل الذی نزلت به کتب الله تعالى وبعث به رسله، وبه قام السماوات والأرض، یقتضی رعایة الضعفاء والوقوف بجانبهم، حتى ینالوا حقوقهم المادیة والأدبیة ".
وقد أفاض المؤلف فی بیان هذا الجانب المهم فی نظام الدولة الإسلامیة، مستشهدا بالنصوص والوقائع. ومؤکدا، إلى ذلک، أن الدولة الإسلامیة دولة الحقوق والواجبات: حق الحیاة، وحق التملک، وحق الکفایة من العیش، وحق الأمن على الدین والنفس والعرض والمال والنسل، وهی تعتبر فی نظر التشریع الإسلامی من [الضروریات] الخمس أو الست، التی أنزل الله الشریعة للمحافظة علیها، ولا یجوز لأحد أن یفرط فیها وقد أوجب الشارع العقوبات الرادعة من الحدود والقصاص لحمایتها من العدوان علیها.
وواجب الدولة المسلمة أن تعمل على أن تحقق لکل فرد یعیش فی ظلها هذین الهدفین الأساسیین من أهداف حیاته: الکفایة والأمن، حتى یستطیع الناس إذا اکتفوا وأمنوا - أن یفرغوا لعبادة ربهم }الذی أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف{ [سورة قریش: 4]. والدولة الإسلامیة دولة مبادئ وأخلاق، تلتزم بها، ولا تحید عنها، فی داخل أرضها وخارجها، مع من تحب ومع من تکره وفی سلمها وحربها، فهی لا تتعامل بوجهین، ولا تتکلم بلسانین، ولا تقبل أن تصل إلى الحق بطریق الباطل، ولا أن تحقق الخیر بوسائل الشر.
طبیعة الدولة فی الإسلام
والدولة فی الإسلام دولة إسلامیة.. لا دولة دینیة. وهنا فند المؤلف دعاوى من یزعم أنها دولة دینیة تحکم بما سموه [الحق الإلهی]. وبین أن الدولة الإسلامیة دولة مدنیة. "وفرق کبیر بین الدولة الإسلامیة- أی الدولة التی تقوم على أساس الإسلام - والدولة الدینیة التی عرفها الغرب النصرانی فی العصور الوسطى. وعلة ذلک أن هناک خلطا کبیرا بین ما هو إسلامی وما هو دینی، فکثیرون یحسبون أن کل ما هو إسلامی یکون دینیا. والواقع أن الإسلام أوسع وأکبر من کلمة دین. حتى إن علماء الأصول المسلمین جعلوا «الدین» إحدى الضروریات الخمس أو الست التی جاءت الشریعة لحفظها. وهی: الدین والنفس والعقل والنسل والمال، وزاد بعضهم: العرض"
وضرب المؤلف مثلا أوضح من خلاله مراده، فقال: "نحن ندعو إلى تربیة إسلامیة متکاملة، وهذه التربیة تشمل أنواعا من التربیة تبلغ بضعة عشر نوعا، إحداها التربیة الدینیة، إلى جوار التربیة: العقلیة والجسمیة والخلقیة والعسکریة والاجتماعیة والاقتصادیة والسیاسیة والعلمیة والأدبیة والمهنیة والفنیة والجنسیة... إلخ. فالتربیة «الدینیة» شعبة واحدة من شعب التربیة «الإسلامیة» الکثیرة.
فالخطأ کل الخطأ الظن بأن الدولة الإسلامیة التی ندعو إلیها دولة دینیة. إنما الدولة الإسلامیة «دولة مدنیة» تقوم على أساس الاختیار والبیعة والشورى، ومسئولیة الحاکم أمام الأمة، وحق کل فرد فی الرعیة أن ینصح لهذاالحاکم، ویأمره بالمعروف وینهاه عن المنکر، بل یعتبر الإسلام هذا واجبا کفائیا على المسلم، ویصبح فرض عین إذا قدر علیه وعجز غیره عنه أوجبن عن أدائه.
إن الحاکم فی الإسلام مقید غیر مطلق، فهناک شریعة تحکمه، وقیم توجهه، وهی أحکام لم یضعها هو ولا حزبه أو حاشیته، بل وضعها له ولغیره }رب الناس، ملک الناس، إله الناس{. ولا یستطیع هو ولا غیره أن یلغوا هذه الأحکام أو یجمدوها، فلا ملک، ولا رئیس ولا برلمان، ولا حکومة، ولا مجلس ثورة، ولا لجنة مرکزیة، ولا مؤتمر للشعب، ولا أی قوة فی الأرض تملک أن تغیر من أحکام الله الثابتة شیئا.
ومن حق أی مسلم أو مسلمة إذا أمره الحاکم بما یخالف شریعة الله مخالفة بینة، أن یرفض، بل من واجبه أن یرفض، لأنه إذا تعارض حق الحاکم وحق الله، فحق الله مقدم ولا شک، إذ لا طاعة لمخلوق فی معصیة الخالق".
وبعد أن استعرض المؤلف شبهات العلمانیین فی دعوى الدولة الدینیة رد علیها بالدحض والتفنید. ومنها شبهة تتعلق بالحاکمیة. مستدلا بالتجارب التاریخیة وتقریرات العلماء.
نحو فقه سیاسی رشید
یرى الدکتور یوسف القرضاوی أن الفکر السیاسی أو الفقه السیاسی، لم یأخذ حقه من البحث والتعمق قدیما، کما أخذ فقه العبادات والمعاملات والأنکحة ونحوها.
وهو کذلک الیوم یشوبه کثیر من الغبش والتباس المفاهیم، واضطراب الأحکام، وتفاوتها فی أذهان العاملین للإسلام، تفاوتا یجعل المسافة بین بعضها وبعض کما بین المشرق والمغرب.
یقول المؤلف: "لقد رأینا من یعتبر الشورى معلمة لا ملزمة، ومن یمنح رئیس الدولة حق إعلان الحرب وعقد المعاهدات دون الرجوع إلى ممثلی الأمة.. ومن یرى الأخذ بوسائل الدیمقراطیة وضماناتها: کفرا أو سبیلا إلى الکفر.
ومن یرى أن المرأة لا مکان لها فی سیاسة الأمة، وأن مکانها البیت لا تخرج منه إلا إلى بیت زوجها أو القبر. وأن لیس لها حق التصویت والشهادة فی أیة انتخابات، بله أن ترشح نفسها لمجلس بلدی أو نیابی، فهو یحکم على نصف الأمة بالموت الأدبی، ویرید للأمة أن تتنفس برئة واحدة، وأن تطیر بجناح واحد.
ومن یرى أن التعدد أو التعددیة - کما یقال الیوم – أمر یرفضه الإسلام، ولا یجوز إنشاء أحزاب أو جماعات أو هیئات لها رؤیة أو رأی سیاسی داخل الدولة المسلمة.
لقد وقف شعر رأسی حین أطلعنی بعض الإخوة على رسالة کتبها بعض المتحمسین من الدعاة عنوانها «القول السدید فی أن [دخول المجلس النیابی] ینافی التوحید». وهو خلط عجیب یدخل مسائل العمل فی مسائل العقیدة، ومسائل العمل تدور بین الصواب والخطأ لا بین الإیمان والکفر، فهی من السیاسة الشرعیة التی یؤجر المجتهد فیها مرتین إن أصاب، ومرة واحدة إن أخطأه التوفیق".
ویناقش المؤلف عبارة شاعت على ألسنة وأقلام بعض العلمانیین والمتغربین وهی عبارة «الإسلام السیاسی»، ویعنون بها الإسلام الذی یعنى بشئون الأمة الإسلامیة وعلاقاتها فی الداخل والخارج، والعمل على تحریرها من سلطان أجنبی یتحکم فی رقابها، ویوجه أمورها المادیة والأدبیة کما یرید، ثم العمل کذلک على تحریرها من رواسب الاستعمار الغربی الثقافیة والاجتماعیة والتشریعیة، لتعود من جدید إلى تحکیم شرع الله تعالى فی مختلف جوانب حیاتها..
وهم یطلقون هذه الکلمة «الإسلام السیاسی» للتنفیر من مضمونها، ومن الدعاة الصادقین الذین یدعون إلى الإسلام الشامل، باعتباره: عقیدة وشریعة، ودینا ودولة.
ویسأل کثیرون هنا: هذه التسمیة المحدثة «الإسلام السیاسی» مقبولة من الناحیة الشرعیة؟ وهل إدخال السیاسة فی الإسلام أمر مبتدع من لدن الدعاة المحدثین والمعاصرین؟ أو یعتبر هذا من الدین الثابت بالقرآن والسنة؟ وجوابا على هذه التساؤلات یقول د. یوسف القرضاوی إن هذه التسمیة مرفوضة. لأنها تطبیق لخطة وضعها خصوم الإسلام، تقوم على تجزئة الإسلام وتفتیته بحسب تقسیمات مختلفة، فلیس هو إسلاما واحدا کما أنزله الله، وکما ندین به نحن المسلمین.. بل هو«إسلامات» متعددة مختلفة، کما یحب هؤلاء.
والحق أن هذه التقسیمات کلها مرفوضة فی نظر المسلم، فلیس هناک إلا إسلام واحد لا شریک له، ولا اعتراف بغیره، هو «الإسلام الأول» إسلام القرآن والسنة. الإسلام کما فهمه أفضل أجیال الأمة، وخیر قرونها، من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، من أثنى الله علیهم ورسوله.
فهذا هو الإسلام الصحیح قبل أن تشوبه الشوائب، وتلوث صفاءه ترهات الملل وتطرفات النحل، وشطحات الفلسفات، وابتداعات الفرق، وأهواء المجادلین، وانتحالات المبطلین، وتعقیدات المتنطعین، وتعسفات المتأولین الجاهلین.
والإسلام - کما یؤکد المؤلف - لا یکون إلا سیاسیا. وإذا جردت الإسلام من السیاسة، فقد جعلته دینا آخر، یمکن أن یکون بوذیا أونصرانیا أوغیرذلک، أما أن یکون هو الإسلام فلا.. فالإسلام یوجه الحیاة کلها.. ومقاومة الفساد والظلم أفضل الجهاد.. وتغییر المنکر فریضة.. وبتفصیل القول فی هذا کله أبطل المؤلف دعوى أن لا دین فی السیاسة ولا سیاسة فی الدین.
وتحدث بعد ذلک عن الدولة الإسلامیة والحکم بما أنزل الله مبینا فساد کثیر من الشبهات حول هذا الموضوع، ومؤکدا الإجماع على وجوب الحکم بما أنزل الله، معرجا على ذکر مراتب تغییر المنکر.
موقف الدولة المسلمة من الدیمقراطیة والتعددیة والمرأة وغیر المسلمین
ذکر المؤلف فی هذا الفصل أن جوهر الدیمقراطیة - بعیدا عن التعریفات والمصطلحات الأکادیمیة - أن یختار الناس من یحکمهم ویسوس أمرهم، وألا یفرض علیهم حاکم یکرهونه، أو نظام یکرهونه، وأن یکون لهم حق محاسبة الحاکم إذا أخطأ، وحق عزله وتغییره إذا انحرف، وألا یساق الناس - رغم أنوفهم - إلى اتجاهات أو مناهج اقتصادیة أو اجتماعیة أو ثقافیة أو سیاسیة لا یعرفونها ولا یرضون عنها. فإذا عارضها بعضهم کان جزاؤه التشرید والتنکیل، بل التعذیب والتقتیل.
هذا هو جوهر الدیمقراطیة الحقیقیة التی وجدت البشریة لها صیغا وأسالیب عملیة، مثل الانتخاب والاستفتاء العام، وترجیح حکم الأکثریة، وتعدد الأحزاب السیاسیة، وحق الأقلیة فی المعارضة، وحریة الصحافة، واستقلال القضاء... إلخ.
ویسأل المؤلف: فهل الدیمقراطیة - فی جوهرها الذی ذکرناه - تنافی الإسلام؟ ومن أین تأتی هذه المنافاة؟ وأی دلیل من محکمات الکتاب والسنة یدل على هذه الدعوى؟
ویجیب: "الواقع أن الذی یتأمل جوهر الدیمقراطیة یجد أنه من صمیم الإسلام، فهو ینکر أن یؤم الناس فی الصلاة من یکرهونه، ولا یرضون عنه،.. وإذا کان هذا فی الصلاة، فکیف فی أمور الحیاة والسیاسة؟... لقد شن القرآن حملة فی غایة القوة على الحکام المتألهین فی الأرض، الذین یتخذون عباد الله عبادا لهم، مثل «نمرود». وربط القرآن بین الطغیان والفساد.. وذم الشعوب المطیعة للجبابرة.. وبین أن جنود الطاغیة وأدواته یتحملون الوزر معه.. وحملت السنة النبویة على الأمراء الظلمة. وأوضح المؤلف أن میزة الدیمقراطیة أنها اهتدت - خلال کفاحها الطویل مع الظلمة والمستبدین - إلى صیغ ووسائل، تعتبر - إلى الیوم - أمثل الضمانات لحمایة الشعوب من تسلط المتجبرین، وإن ولم تخل من بعض المآخذ والنواقص، التی لا یکاد یخلو منها عمل بشری".
ویضیف الدکتور القرضاوی: "ألا حجر على البشریة وعلى مفکریها وقادتها، أن تفکر فی صیغ وأسالیب أخرى، لعلها تهتدی إلى ما هو أوفى وأمثل، ولکن إلى أن یتیسر ذلک ویتحقق فی واقع الناس، نرى لزاما علینا: أن نقتبس من أسالیب الدیمقراطیة، ما لا بد منه لتحقیق العدل والشورى واحترام حقوق الإنسان... ومن القواعد الشرعیة المقررة: أن ما لا یتم الواجب إلا به فهو واجب، وأن المقاصد الشرعیة المطلوبة إذا تعینت لها وسیلة لتحقیقها، أخذت هذه الوسیلة حکم ذلک المقصد.
ولا یوجد شرعا ما یمنع من اقتباس فکرة نظریة أو حل عملی، من غیر المسلمین، فقد أخذ النبی صلى الله علیه وسلم فی غزوة الأحزاب بفکرة «حفر الخندق» وهو من أسالیب الفرس.
واستفاد من أسرى المشرکین فی بدر«ممن یعرفون القراءة والکتابة» فی تعلیم أولاد المسلمین الکتابة، برغم شرکهم، فالحکمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها".
واعتبر المؤلف الانتخاب نوعا من الشهادة، مبینا أن الاستبداد السیاسی هو المسبب الأول لما أصاب الأمة قدیما وحدیثا وأن الحریة السیاسیة أول ما نحتاج إلیه الیوم وأن الشورى ملزمة ولیست مجرد معلمة.
وتطرق بعد ذلک لموضوع تعدد الأحزاب فی ظل الدولة الإسلامیة مبرزا أن هذا التعدد مثل تعدد المذاهب فی الفقه، مفندا دعوى أن التعدد مبدأ مستورد.
کما تحدث عن ترشیح المرأة للمجالس النیابیة بین الإجازة والمنع مناقشا فتوى بتحریم الحقوق السیاسیة على المرأة. معرجا على موضوعات أخرى لها صلة وطیدة بفقه الدولة فی الإسلام
۹۶/۱۰/۰۹
اندیشه تمدنی

ارسال نظر

نظر دادن تنها برای اعضای بیان ممکن است.
اگر قبلا در بیان ثبت نام کرده اید لطفا ابتدا وارد شوید، در غیر این صورت می توانید ثبت نام کنید.